كي لسترنج

15

بلدان الخلافة الشرقية

عاصمة الساسانيين الشتوية الأولى . وسرعان ما أصبحت بغداد قاعدة الدولة الاسلامية في الشرق . ولكن هذه الدولة منذ أيام أول خلفاء بنى العباس ، لم تحافظ على وحدتها ، ولو اسميّا . فانفصلت عنها الأندلس ، وما عتم أن قام في قرطبة خليفة أموي زاحم خليفة بغداد العباسي . ولم يمض قرن وبعض قرن على قيام دولتهم حتى أفلتت مصر من أيديهم . فحين أعلن أمير قرطبة الأموي نفسه أميرا للمؤمنين في الأندلس ، كانت السلطة قد انتقلت في مصر إلى الفاطميين الذين أخذوا بنظام الخلافة أيضا ، ونبذوا طاعتهم لبغداد . أما الشام فقد كانت تواكب مصر في أغلب الأحيان . وأما جزيرة العرب فكانت تتنازعها الاثنتان . أما في الشرق البعيد ، فقد استقلت أقاليم كثيرة عن الخليفة العباسي ، بيد أنها لم تقم فيها خلافة تناويء بغداد « 1 » . وبالاجمال فجميع تلك الأقاليم الواسعة التي كانت تؤلف المملكة الساسانية قبل الاسلام ، لبثت حتى الأخير خاضعة لخلفاء بنى العباس خضوعا اسميّا ، ان لم يكن حقيقيا . فان هاتيك البلاد المترامية الأطراف التي يحدها شرقا صحارى آسية الوسطى وجبال أفغانستان ، وغربا دولة الروم البزنطيين ، كانت منقسمة إلى أقاليم عديدة سنتبسط في صفة أحوالها في الفصول الآتية من الكتاب . وقد ظلت أسماء الأقاليم وحدودها في أيام العرب على ما كانت عليه في أيام الأكاسرة في الغالب ( على ما انتهى اليه علمنا ) . فالشرق في واقع الامر ، لم يتغير الا قليلا بحيث ان الأسماء والحدود لم يطرأ عليها تبدل يذكر حتى يومنا هذا ، وان كانت أحوال البلاد السياسية وأوضاعها الاقتصادية أي المادية قد تغيرت على ما هو منتظر تغيرا كبيرا في خلال الألف والثلاثمئة سنة الأخيرة . وقبل أن أتوغل في هذا الموضوع ، أرى أن أوجز القول في هذه الأقاليم المختلفة تبعا لسياق ورودها في الفصول الآتية . فالإقليم السهلي العظيم الذي أطلق عليه اليونان اسم « ميزوبوتامية » Mesopotamia ( أي ما بين النهرين ) ما هو الا هبة الرافدين : الفرات ودجلة . وهذا النهر الأخير ( على ما سنبين في الفصل الثاني ) لم يكن مجراه الأسفل أيام

--> ( 1 ) سيأتي في الفصل الثاني عشر ، كلام المؤلف على مدينة « خشم » وان الداعي العلوي كان يحكم فيها حكم السلطان المستقل ولا يعترف للخليفة بالإمامة ، هذا إذا لم نذكر صاحب الزنج في البصرة على قربها من قاعدة الخلافة ( م ) .